الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
94
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بذلك أثرا واضحا في إبطال تحريم بعضها الّذي هو تضييق في المنّة ونبذ للنّعمة ، وليتمّ الإيجاز إذ يغني عن أن يقول : وأنشأ لكم الأنعام وأنشأ منها حمولة وفرشا ، كما سيأتي . والأنعام : الإبل ، والبقر ، والشّاء ، والمعز ، وقد تقدّم في صدر سورة العقود ، والحمولة - بفتح الحاء - ما يحمل عليه المتاع أو النّاس يقال : حمل المتاع وحمل فلانا ، قال تعالى : إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ [ التوبة : 92 ] ويلزمها التّأنيث ، والإفراد مثل ( صرورة ) للّذي لم يحجّ يقال : امرأة صرورة ورجل صرورة . والفرش : اختلف في تفسيره في هذه الآية . فقيل : الفرش ما لا يطيق الحمل من الإبل أي فهو يركب كما يفرش الفرش ، وهذا قول الراغب . وقيل : الفرش الصّغار من الإبل أو من الأنعام كلّها ، لأنّها قريبة من الأرض فهي كالفرش ، وقيل : الفرش ما يذبح لأنّه يفرش على الأرض حين الذبح أو بعده ، أي فهو الضان والمعز والبقر لأنّها تذبح . وفي « اللّسان » عن أبي إسحاق : أجمع أهل اللّغة على أنّ الفرش هو صغار الإبل . زاد في « الكشاف » : « أو الفرش : ما ينسج من وبره وصوفه وشعره الفرش » يريد أنه كما قال تعالى : وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ [ النحل : 80 ] ، وقال : وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ [ النحل : 5 - 7 ] الآية ، ولأنّهم كانوا يفترشون جلود الغنم والمعز للجلوس عليها . ولفظ فَرْشاً صالح لهذه المعاني كلّها ، ومحامله كلّها مناسبة للمقام ، فينبغي أن تكون مقصودة من الآية ، وكأنّ لفظ الفرش لا يوازنه غيره في جمع هذه المعاني ، وهذا من إعجاز القرآن من جانب فصاحته ، فالحمولة الإبل خاصّة ، والفرش يكون من الإبل والبقر والغنم على اختلاف معاني اسم الفرش الصّالحة لكلّ نوع مع ضميمته إلى كلمة ( من ) الصالحة للابتداء . فالمعنى : وأنشأ من الأنعام ما تحملون عليه وتركبونه ، وهو الإبل الكبيرة والإبل الصّغيرة ، وما تأكلونه وهو البقر والغنم ، وما هو فرش لكم وهو ما يجزّ منها ، وجلودها . وقد علم السّامع أنّ اللّه لمّا أنشأ حمولة وفرشا من الأنعام فقد أنشأ الأنعام أيضا ، وأول ما يتبادر للنّاس حين ذكر الأنعام أن يتذكّروا أنّهم يأكلون منها ، فحصل إيجاز في الكلام ولذلك عقّب بقوله : كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ . وجملة : كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ معترضة مثل آية : كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ [ الأنعام :